القرطبي
8
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
إلى قوله : " فبما نقضهم ميثاقهم " قال : ففسر ظلمهم الذي أخذتهم الصاعقة من أجله بما بعده من نقضهم الميثاق وقتلهم الأنبياء وسائر ما بين من الأشياء التي ظلموا فيها أنفسهم . وأنكر ذلك الطبري وغيره ، لان الذين أخذتهم الصاعقة كانوا على عهد موسى ، والذين قتلوا الأنبياء ورموا مريم بالبهتان كانوا بعد موسى بزمان ، فلم تأخذ الصاعقة الذين أخذتهم برميهم مريم بالبهتان . قال المهدوي وغيره : وهذا لا يلزم ، لأنه يجوز أن يخبر عنهم والمراد آباؤهم ، على ما تقدم في " البقرة " ( 1 ) . [ قال ] ( 2 ) الزجاج : المعنى فبنقضهم ميثاقهم حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم ، لأن هذه القصة ممتدة إلى قوله : " فبظلم من الذين هادوا حرمنا " [ النساء : 160 ] . ونقضهم الميثاق أنه أخذ عليهم أن يبينوا صفة النبي صلى الله عليه وسلم . وقيل : المعنى فبنقضهم ميثاقهم وفعلهم كذا وفعلهم كذا طبع الله على قلوبهم . وقيل : المعنى فبنقضهم لا يؤمنون إلا قليلا ، والفاء مقحمة . و " كفرهم " عطف ، وكذا و " قتلهم " . والمراد " بآيات الله " كتبهم التي حرفوها . و " غلف " جمع غلاف ، أي قلوبنا أوعية للعلم فلا حاجة بنا إلى علم سوى ما عندنا . وقيل : هو جمع أغلف وهو المغطى بالغلاف ، أي قلوبنا في أغطية فلا نفقه ما تقول ، وهو كقوله : " قلوبنا في أكنة " [ فصلت : 5 ] ( 3 ) وقد تقدم هذا في " البقرة " ( 4 ) وغرضهم بهذا درء ( 5 ) حجة الرسل . والطبع الختم ، وقد تقدم في " البقرة " ( 6 ) . " بكفرهم " أي جزاء لهم على كفرهم ، كما قال : " بل لعنهم الله بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا " [ البقرة : 88 ] ( 7 ) أي إلا إيمانا قليلا أي ببعض الأنبياء ، وذلك غير نافع لهم . ثم كرر " وبكفرهم " ليخبر أنهم كفروا كفرا بعد كفر . وقيل : المعنى " وبكفرهم " بالمسيح ، فحذف لدلالة ما بعده عليه ، والعامل في " بكفرهم " هو العامل في " بنقضهم " لأنه معطوف عليه ، ولا يجوز أن يكون العامل فيه " طبع " . والبهتان العظيم رميها بيوسف النجار وكان من الصالحين منهم . والبهتان الكذب المفرط الذي يتعجب منه وقد تقدم ( 7 ) . [ والله سبحانه وتعالى أعلم ] ( 8 ) .
--> ( 1 ) راجع ج 1 ص 246 . ( 2 ) من ك . ( 3 ) راجع ح 15 ص 339 . ( 4 ) راجع ح 2 ص 25 . ( 5 ) في ج : ر د . ( 6 ) راجع ج 1 ص 185 . ( 7 ) راجع ج 5 ص 243 وص 381 . ( 8 ) من ز .